
تواضع بعضهم
يونس: أنا أختلف معك يا محمد في هذه المسألة، أظنك مشتبهاً في الأمر.
محمد: لا داعي للإختلاف يا يونس، الأمر واضح كما ترى، فلا مكان للشبهة عندي.
يونس: أتعني أنني لم أفهم الدرس؟ وأنني أنا المشتبه دونك؟
محمد: ما قصدت ذلك والله، ما عنيتُه فقط هو أنه تجب مراجعة الحكم بتأمل وتَمعُّن كيلا نفهمه على وجه الخطأ.
يونس: لن أغفر لك هذه التهمة يا محمد، من تظن نفسك حتى تكون مصيباً دون غيرك، أقسم إنني لن أجلس معك في أية حلقة درس بعد اليوم، تباً لك ولغرورك.
محمد: إنتظر يا يونس، ليس الأمر كذلك، أقسم إنني لم أرد الإساءة.
يونس: دعني وشأني، إياك أن تكلمني بعد اليوم، هذا فراقُ بيني وبينك.
محمد: يونس، يونس.
الأستاذ: دعه يذهبْ يا محمد، لقد سقط في فخٍ من أفخاخ الشيطان.
محمد: نعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم، والله يا أستاذ ما أخطأت معه وما قصدن الإهانة أو الإنتقاص من شأنه، كل الأمر أنه وقع في شبهة وأردت أن أبيّن له الحكم.
الأستاذ: أعرف ذلك يا محمد، لقد رأيت الكثير من أمثاله في تاريخيَ التدريسي، لا عليك، دعه يهدأ قليلاً ثم اذهب في المساء إلى داره وأصلح ما فسد بينك وبينك، لا تترك للشيطان مكان بينكما يا محمد، أنا أعرفك تماماً وأعرف بأن ذو صدر رحب، إذهب إليه في المساء واشرح له الأمر بطريقة سلسة، المهم أن لا يبقى الشيطان مسيطراً على يونس.
محمد: لا عليك يا أستاذ، بعد صلاة العشاء سوف أزوره في داره ولن أغادر منزله قبل أن يغادر الشيطان عقله وروحه.
الأستاذ: أحسنت يا محمد، بارك الله بك وبأخلاقك الطيبة.
محمد: هذا ما تعلمناه منكم أيها الأستاذ الكبير.
يونس: من الطارق؟
محمد: إفتح الباب يا أخي وصديقي، أنا زميلك محمد، إفتح ولا تتفوه بأية كلمة، والله لن أغادر دارك حتى أكلمك.
يونس: تفضل، إن جئت لتعتذر فأنا أقبل اعتذارك، وإن جئت لتثبت لي أنني على خطأ فلن أقبل منك ذلك.
محمد: إن كان المشكلة تُحل باعتذار أو تقبيل يد فأنا أول المعتذرين، أرجوك يا أخي يا محمد، إسمعني جيداً، لقد عرفتك وصادقتك وآخيتك منذ سنوات، واختبرتك في السفر كما في الحضر فلم أجد منك إلا الطيبةَ والأخلاقَ الفاضلة التي تعكسُ لنا صورةً واضحةً عن إيمانِك بالله سبحانه، وما حصل اليوم بيننا أثناء الدرس ما هو إلا اختلاف في الرأي لا يدعو إلى الغضب، فقد حصل بيني وبينك أكثر من ذلك بكثير، ولكن تصرفك هذه المرة كان غيرَ كل مرة، فإن كنتُ مخطئاً فأخبرني.
يونس: والله ما قلتَ إلا الحق.
محمد: فلو أنك صنعتَ بي ما صنعتَه اليوم ألف مرة لما تحاملت عليك لأنك أخي في الله وزميلي في العلم ورفيقي في السفر والحضر، فلا أظن أن ما حصل اليوم له علاقة بجوهر المسألة التي اشتبهنا في فهمها فإن كان ثمةُ ما يزعجك فأخبرني وسوف تجدني معك إلى النهاية.
يونس: والله يا محمد لم أعرف ما أصابني اليوم، أنا مستهجنٌ مثلَك تماماً.
محمد: لا عليك يا يونس، لم يحصل شيء، ولكن أرجوك اسمعني جيداً كيلا يتكرر ما حصل ونكون عوناً للشيطان الرجيم.
يونس: تفضّل.
محمد: يا يونس، لقد جمعتنا مئات المسائل في السنوات النصرمة، وقد فرّقتنا مسألة واحدة، فهل من العقل أن يحصل مثل ذلك؟
يونس: لا والله، إنه ليس من العقل بل من عمل الشيطان الغوي.
محمد: لا تحاول الإنتصار في كل الإختلافات، فأحياناً يكون كسبُ القلوب أولى من كسب المواقف.
يونس: عين الصواب.
محمد: إياك يا يونس أن تهدم الجسور التي بنيتَها وعبرتَها فسوف تحتاجها يوماً ما إذا أردتَ العودة، وعليك أن تكره نفس الخطأ وليس المخطئ، أبغض المعصية ولا تُبغض العاصي فلربما أصبح يوماً ما من أفضل المطيعين.
يونس: كل الحق معك يا محمد، أنا أعتذر لما صدر مني صباح اليوم.
محمد: ما قصدتُ دارك لأسمع منك الإعتذار فإنه لا أعذار بين الأخوة، ولكنني جئتك لأقول لك، إنتقِد القول واحترم القائل، واقضِ على المريض لا على المريض، فإن جاءك المهموم فأنصت له، وإن جاءك المعتذر فاصفح عنه، وإن قصدك المحتاج فلا تفارقه حتى تقضي حاجته.
يونس: أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله من كل ذنب عظيم، بارك الله بك يا محمد إنك ذو عقل نيّر وصدر رحب، اللهم وفقنا لما يرضيك وجنّبنا معاصيك وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
محمد: اللهم آمين.
يونس: اللهم آمين.



